يرى ستيوارت باتريك، في مستهل هذا التحليل، أن النظام الدولي يدخل مرحلة فارقة تبرز فيها القوى المتوسطة بوصفها فاعلًا محوريًا قادرًا على إنعاش التعاون الدولي في عالم متعدد الأقطاب يتشكّل على مهل. يوضح باتريك أن تعثّر التعددية، وانسداد عمل الأمم المتحدة ومؤسساتها التقليدية، وتراجع الدور القيادي للولايات المتحدة، مقابل عجز الصين عن تولّي هذا الدور، كلها عوامل خلقت فراغًا استراتيجيًا يفتح المجال أمام دول ليست عظمى ولا هامشية كي تتقدّم إلى الواجهة.


يضع تحليل مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي هذا النقاش في سياق أوسع يتعلّق بأزمة النظام الدولي القائم على القواعد، وبالبحث عن صيغ جديدة للتعاون تتجاوز الشلل الذي أصاب المؤسسات متعددة الأطراف.


عالم مضطرب وفرصة للقوى المتوسطة


يفسّر المقال صعود دور القوى المتوسطة باعتباره نتيجة مباشرة لتحوّلات عميقة في بنية القوة العالمية. يتراجع الانضباط الذي فرضه النظام الدولي بعد الحرب الباردة، وتعود ممارسات العدوان والإفلات من العقاب، بينما تتآكل فكرة التعاون المنظّم بالقانون الدولي. في هذا المناخ، تمتلك دول متوسطة الحجم والتأثير حوافز جديدة لتوسيع هامش حركتها الدبلوماسية، وتعزيز أدوارها الإقليمية، وبناء تحالفات مرنة عابرة للتقسيم التقليدي بين الشمال والجنوب.


يشدّد الكاتب على أن هذه الدول، بحكم موقعها الوسيط، تستطيع لعب أدوار تتجاوز قدراتها الصلبة، خاصة إذا نسّقت جهودها داخل مؤسسات قائمة أو عبر أطر “مصغّرة” تُنشأ خصيصًا لمعالجة قضايا محددة مثل التجارة، والمناخ، وأمن الطاقة، والتكنولوجيا الرقمية، وحماية سيادة القانون الدولي.


مفهوم القوة المتوسطة وحدوده


يتتبّع المقال جذور مفهوم “القوة المتوسطة” تاريخيًا، منذ استخدامه في أوروبا عصر النهضة، وصولًا إلى إعادة إحيائه بعد الحرب العالمية الثانية على يد دبلوماسيين أستراليين وكنديين سعوا إلى منح دولهم دورًا فاعلًا داخل الأمم المتحدة. ورغم شيوع المصطلح اليوم، يلفت الكاتب إلى غياب تعريف متوافق عليه أو معايير حاسمة تحدد بدقة من يستحق هذا الوصف.


يفضّل باتريك تعريف القوى المتوسطة بما ليست عليه: فهي ليست قوى عظمى قادرة على فرض إرادتها عالميًا، لكنها في الوقت نفسه ليست دولًا صغيرة تفتقر إلى أدوات التأثير. تمتلك هذه الدول قدرات دبلوماسية ومؤسسية تسمح لها بالمبادرة وقيادة جهود ابتكارية في مجالات بعينها. مع ذلك، يحذّر المقال من المثالية الزائدة، إذ تحرّك المصالح الوطنية هذه الدول، لا الإيثار الخالص، حتى عندما تتبنّى خطاب الدفاع عن النظام الدولي.


تعددية مرنة في زمن ما بعد الهيمنة


ينتقل التحليل إلى توصيف البيئة الراهنة بوصفها أكثر ملاءمة من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة لتحرّك القوى المتوسطة. يبرز نمط “تعدّد الاصطفافات” بدل الانحياز الصارم، حيث تسعى دول مثل الهند والبرازيل إلى توسيع خياراتها الاستراتيجية بدل حصرها في معسكر واحد. يظهر هذا التوجّه أيضًا في توسّع تكتلات مثل “بريكس”، التي لم تتحوّل إلى كتلة معادية للغرب بقدر ما أصبحت مساحة لمناورات دبلوماسية مرنة.


في المقابل، يعيد التحليل قراءة موقع الغرب، مشيرًا إلى أن النهج القومي والمعاملاتي الذي تبنّته الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة دفع حلفاءها إلى التعامل معها بوصفها “مشكلة تحتاج إدارة” لا قائدًا مضمونًا. نتيجة لذلك، تنوّع دول أوروبية وآسيوية شراكاتها، وتستثمر أكثر في قدراتها الذاتية، وتبحث عن تعاون أوسع في قضايا عالمية ملحّة.


يخلص المقال إلى أن القوى المتوسطة تملك فرصة تاريخية لملء فراغ القيادة، سواء عبر تجديد الالتزام بميثاق الأمم المتحدة داخل المؤسسات القائمة، أو عبر إنشاء تحالفات مرنة تتقدّم بالعمل الجماعي عندما تتراجع القوى العظمى.

يحذّر الكاتب من أن هذه النافذة لن تبقى مفتوحة إلى الأبد، لكن استثمارها قد يدفع النظام الدولي نحو مسارات أكثر استقرارًا وأقل فوضوية، ويمنح العالم بدائل واقعية عن الانزلاق إلى منطق القوة العارية ومناطق النفوذ المغلقة.

 

https://carnegieendowment.org/research/2026/01/the-middle-power-moment